علاقه محمد على باشا بالزراع والتجار والصناع فترة حكمه
الزراع والصناع والتجار
تقدمت حالة الفلاح تقدما نسبيا عما كانت عليه في عهد المماليك، ولكن لا يخفى ان حياته في الجملة بقيت تدعوا الى الالم والاشفاق. فان ما ذكرناه عن حرمانه حق التملك واستهدافه لفداحة الضرائب ومساوئ الاحتكار ومظالم الحكام جعله في حالة تعيسة، فزيادة الحاصلات الزراعية واقامة اعمال العمران لم يقترن بها ارتقاء حالة الفلاح الاجتماعية، وقد وصف المسيو مانجان حالته في ذلك العهد بقوله: "اذا صح انه لا يوجد في العالم بلاد اغنى من مصر من الوجهة الزراعية فليس ثمة بلاد اخرى اتعس منها سكانا، واذا بقى فيها العدد الذي بها من السكان سنة 1832 فالفضل في ذلك انما يرجع الى خصوبة ارضها وقناعة فلاحها".
وقد ساءت حالة الفلاحين لدرجة اضطرار الكثيرين منهم الى الهجرة من قراهم، وخربت قرى عديدة بسبب هذه الهجرة، واضطرت الحكومة الى اصدار الاوامر المشددة برجوع المهارين وتهديد من لم يرجع باشد انواع العقاب، ولكن مهما قيل في مظالم ذلك العصر، فانها لا تذكر بجانب مظالم الحكام في عهد المماليك.
اما الصناع فان امرهم يحتاج الى بيان، فالعمال الذين انتظموا في سلك المصانع الكبرى التي انشاها محمد علي كالترسانة البحرية والحربية او الفابريقات التي سبق الكلام عنها، فانهم مارسوا صناعات جديدة حذقوها ومهروا فيها، وتكونت منهم طبقة من العمال الفنيين كانوا موضع اعجاب من شاهد اعمالهم، وكان لهم اثر صالح في تقدم مصر الصناعي، ويكفيك ان ترجع الى شهادة الافرنج في هذا الصدد لتعرف مدى هذا التقدم.
اما عمال الصنائع اليدوية في الصناعات الصغرى التي كانت معروفة من قبل فؤلاء قد ساءت حالتهم بسبب نظام الاحتكار حتى اضطر كثير منهم كما قال المسيو مانجان الى ترك الصناعة والاشتغال بالزراعة.
وكذلك طبقة التجار قد تراجعت واضمحل شانها لاحتكار الحكومة التجارة الداخلية والخارجية، وبالرغم من ازدياد متاجر مصر في ذلك العصر فان ثمرة التجارة كانت تعود على الحكومة وعلى الوسطاء من الافرنج الذين كانوا يتبادلون واياها حركة التجارة الخارجية، ولذلك اقترنت زيادة حاصلات مصر وتجارتها الخارجية بظاهرة غريبة، وهي تضاؤل الثروات الشخصية، فحينما كانت حاصلات مصر اقل مما وصلت اليه، كان الاهالي ايسر حالا، ولما زادت الحاصلات حل الفقر محل اليسر بين الاهلين، وذلك راجع الى نظام الاحتكار الذي فرضته الحكومة على حاصلات مصر، ولم ينتفع من هذه الزيادة في الحاصلات سوى الاسكندرية التي اتسعت تجارتها وصارت سوقا لاقطان القطر المصري وحاصلاته، اما المحلات التجارية في القاهرة ودمياط ورشيد فقد هبط عددها عما كانت عليه من قبل.
ويقول المسيو مانجان (ج3 ص 227) ان عدد التجار المصريين في القاهرة قد تناقص في ذلك العصر، ومما يستدعي النظر ويؤيد هذا القول انه لم يظهر في ذلك العصر من التجار الوطنيين من شغل مركزا كبيرا في عصر محمد علي مثل السيد احمد المحروقي كبير تجار مصر في اوائل القرن التاسع عشر وابنه السيد محمد المحروقي ممن ترجمنا لهم، وهذا كله راجع الى مساوئ نظام الاحتكار.
تعليقات
إرسال تعليق