الحياة الاجتماعية في عصر محمد علي

 

الحياة الاجتماعية في عصر محمد علي

تطورت حالة مصر الاجتماعية تطورا بعيد المدى في عصر محمدعلي، فتكونت هيئة اجتماعية تختلف كثيرا عما كانت عليه من قبل

عدد السكان

كان سكان مصر في اواخر القرن الثامن عشر يبلغون ثلاثة ملايين نسمة، واذا احذنا باحصاء الميسو مانجان عن سنة 1823 فان عددهم كان تلك السنة 2.514.400 نسمة وهذا النقص في العدد له اسباب معقولة، فان سكان مصر قد نقصوا في عهد الحملة الفرنسية والسنوات التي اعقبتها، وفي اوائل حكم محمد علي، لكثر الفتن والثورات والحروب التي افنت عددا كبيرا من السكان وانقصت النسل، على ان الاحصاء الذي عمل سنة 1845 دل على زيادة عدد السكان الى 4.476.440 نسمة، فلنتكلم عن طبقاتهم وحالتهم الاجتماعية في ذلك العصر.


طبقات المجتمع

اسلفنا الكلام في الجزء الاول من "تاريخ الحركة القومية وبالطبعة الاولى" ص 48 عن حالة مصر الاجتماعية في اواخر القرن الثامن عشر، وبينا ان سكان مصر في ذلك العصر كانوا فئتين: فريق الحكام ، وفريق المحكومين، فالحكام هم فئة المماليك الذين استبدو بحكم البلاد السنين الطوال، والمحكومون هم الشعب المصري بطبقات الاربع التي فصلنا الكلام عنها وهم طبقة العلماء، طبقة الملاك والتجار، وطبقة المزارعين وطبقة الصناع.


الهيئة الحاكمة

تبدلت طبقات المجتمع في عصر محمد علي، فبادت فئة المماليك، ولم يعدل هم حول ولا قوة، بل لم يعد لمعظمهم وجود، وآل الحكم الى محمد علي باشا واسرته، ولا يغيب عن البال ان محمد علي اصبح بولايته الحكم بارادة زعماء الشعب جزءا من الهيئة الاجتماعية المصرية، وانه قد تمصر واستعرب، فاسس دولة مصرية، وجيشا مصريا، واسطولا مصريا، وثقافة مصرية عربية، واندمجت شخصيته في شخصية مصر، فاصبح مصريا حكما وسياسة وعملا. وزاد في هذا الاندماج انه رهن مصريه ومصير اسرته بمركز مصر ومستقبلها، واتخذ مصر موطنا له كما اتخذ نابليون الكورسيكي الاصل الايطالي الجنسية فرنسا موطنا له، ورضيت هي به عاملا لها وموضع فخرها.


ومما اكد ارتباط محمد علي بمصر واندماجه فيها اعلانه الحرب على تركيا ومناصبته اياها العداء، وحروبه المتواصلة عليها، فقد جعلت هذه الحروب لمصر وحاكمها شخصية منفصلة عن السلطنة العثمانية، واستمد محمد علي قوته من الجيوش المصرية، ونال انتصاراته الحربية باسم مصر، ولحساب مصر وعظمتها، وانقطعت الصلات القديمة التي كانت تجعل ولي الامر في مصر نائبا عن سلطان تركيا، بل انقطعت الروابط بين مصر وتركيا، وصار لمصر شخصية مستقلة اظهرها محمد علي باشا، فالمماليك بحكم ابتياعهم اصلا من اسواق الرقيق واعتمادهم على هذا المصدر في تاليف بطانتهم واشياعهم وجنودهم، كانوا يستمدون كيانهم وقوتهم من مصدر خارجي، فهم ابدا يعدون انفسهم عنصرا منفصلا عن البلاد، وهم لذلك ولقلة تناسلهم لم يندمجوا في الهيئة الاجتماعية المصرية، ولا كان لهم بها صلة ما، اما محمد علي والاسرة المحمدية العلوية فقد استمدوا قوتهم ومجدهم من قوة الامة المصرية، ولعلك تذكر في كلامنا عن الجيش المصري النظامي ان محمد علي لم يستطع تاليفه من العناصر غير المصرية ، كالأرناءود والترك والدلاة وغيرهم لما فطروا عليه من التمرد والعصيان، وانه لم يوفق لانشائه الا من صميم المصريين، فالقوة الحربية التي شاد عليها محمد علي ملكه، والتي هي عماد الدول والممالك، كانت مادتها مصرية، وعنصرها مصري، وهذه الاعتبارات قد قضت على ما في نفس محمد علي من العواطف القديمة نحو تركيا ومقدونيا، وزادته اندماجا في مصر.


وهذه الحقيقة تنطبق كذلك على اعوانه ممن كانوا في الاصل من اصل غير مصري، فكثير منهم كانوا من سلالة تركية او مقدونية، ولكن الحروب التي اشتركوا فيها تحت لواء محمد علي وابراهيم قد فصلتهم عن موطنهم الاصلي وادمجتهم في مجموعة الشعب المصري، فصارت مصر وطنا خالدا لهم ولاسراتهم وذراريهم، حاربوا من اجلها، وبذلوا جهودهم وارواحهم ودماءهم في سبيل رفعتها ومجدها، وهؤلاء قد اندمجوا في الشعب وصاروا جزءا من الهيئة الاجتماعية المصرية الجديدة ولا غربة في ذلك فان من مميزات مصر انها تدمج في كيانها العناصر والقوميات التي تتصل بها برابطة الفتح او التوطن، وتصبغها على الزمن بصبغة القومية المصرية، ولقد عبر ابراهيم باشا عن هذا العشور بحديثه الذي نقلناه عنه (ص 247 وبالطبعة السابقة) وذكر البارون بوالكونت، حديثا اخر لمصطفى مختار بك ياور ابراهيم باشا وملازمه في حروب سورية والاناضول (ووزير المعارف العمومية في عهد محمد علي) قال فيه: "اننا وان كنا في الغالب مولودين في تركيا لكن قد اكتسبنا الجنسية المصرية بحكم التوطن، وانتم معشر الفرنسيين تعترفون بالجنسية الفرنسية لم يقيم بفرنسا عشر سنوات، اما نحن فقد جئنا مصر قبل انت نتجاوز الصبا، فلسنا الان اتراكا، ولم يتبق فينا ما يربطنا بهذا العشب الذي لا يترك في طريقا اينما سار سوى دلائل الخراب، ولقد اندمجنا في امة اخرى ارقى وانبل واذكى من الامة التركية، اندمجنا في تلك الامة العربية التي سبقت اوروبا الى الحضارة وازدانت ايام عزها وسؤددها بذلك العمران الذي يتجلى للنظارين في المدن الزاهرة التي انشاتها والعمائر الجميلة التي اقامتها".


فاول عمل سياسي واجتماعي لمحمد علي انه ادمج شخصية اسرته في كيان مصر وقوميتها، وكذلك نحا نحوه اعوانه في الحكم ممن كانوا في الاصل من عصر غير مصري، وهنا يبدو لك جانب من عبقرية محمد علي، فلقد كان في بداءة حكمه لا يعدوا ان يكون واليا من ولاة السلطنة العثمانية، فلو انه حذا حذوهم وكان على شاكلتهم لتعصب للجنسية التركية وعمل على تتريك المصريين كما عمل ولاة السلطنة العثمانية اذ كانوا دائبين على تتريك العناصر العربية، فيحاربون اللغة العربية، والقومية العربية، ويثيرون في هذا السبيل الفتن والثورات في مختلف الانحاء، ويضعون القيوم والعقبات امام تقدم الشعب، لكن محمد علي باشا عمل على نقيض تلك السياسة فاحيا القومية المصرية واندمج فيها واقتادها الى الامام، واسس دولة مصرية،وعرشا مصريا، وملكا مصريا.


ويكفيك للتبين مبلغ عمله في احياء القومية المصرية ان الثقافة التي نشر لواءها في مصر كانت ثقافة مصرية عربية، وانه لم يفكر يوما في انشاء ثقافة تركية او مقدونية، وان الفضل يرجع اليه في بعث اللغة العربية والاداب العربية، من مرقدها بعد ان ظلت مئات السنين ذاوية مضمحلة في عهد الحكم التركي وحكم المماليك.

واندمج اذن محمد علي واسرته واعوانه في الحكم في الهيئة الاجتماعية، ولا شك ان اندماج هذا العنصر فيها قد قواها وبعث فيها روحا جديدا كان لها اثرها في تقدم مصر السياسي والاجتماعي، صحيح ان فئة من المصريين الذين كانوا من عنصر تركي او مقدوني قد ظلوا ينظرون الى المصريين الصمييمين بعين الزارية، واستمرت هذه الحالة النفسية حتى صارت مع الزمن من بواعث الثورة العرابية، لكنها كانت تتلاشى تدريجيا ، وادى تطور الحوادث الى محو الفوارق بينهم، وصارت القومية المصرية مفخرة المندمجين فيها وموضع حبهم وتقديسهم، وقد ساعد على محو هذه الفوارق ما اكتسبته سلالة الترك والمقدونيين المصريين من الثقافة والتهذيب في المدارس والمعاهد التي اسسها محمد علي باشا، فان هذه الثقافة قد صبغت شبابهم بالصبغة المصرية، فتلاشت الفروق الدقيمة التي كان يشعر بها آبائهم، وكذلك ساعد على محوها اتصالهم بالمجتمع المصري بصلات النسب والمصاهرة، واندماجهم في الاهالي مشاركتهم اياهم في الحياة الاجتماعية باشتغال الكثيرين منهم وخاصة سكان الاقاليم بالتجارة وزراعة املاكهم، ومساهمتهم في اعباء الخدمة العامة.

هذا بالنسبة الى محمد علي واسرته ورجالات دولته، وهم قوام الهيئة الحاكمة، واتماما للكلام عن هذه الهيئة يجب ان نتكلم عن الطبقة المتعلمة التي اشتركت في الحكم، فلا يغرب عن الذهب ان المدارس التي فتحها محمد علي والبعثات العلمية التي ارسلها الى اوروبا قد كونت عنصرا جديدا من صميم المصريين كان له فضل كبير في تقدم المجتمع المصري والادارة المصرية، ذلك هو عنصر الشباب المتعلم الذي ثقفته العلوم والمعارف، فنهض بالهيئة الاجتماعية المصرية نهضة كبرى، وكان رسول العلم والحضارة والعمران في ربوع وادي النيل، في المدن والقرى والاقاليم، وتولى الوظائف العامة في عصر محمد علي وخلفائه، فاضطلع باعبائها في الحربية والبحرية والادارة والتعليم والمالية والصحة والاشغال العمومية، وعلى يده تمت منشات الري والعمران ، كفتح الترع واقامة القناطر والنشاء المدارس والمعاهد والمستشفيات وبناء القصور والثكنات والقلاع والاستحكامات والمصانع والترسانات والموانئ والمنائر والسفن الحربية والتجارية وغير ذلك من المنشات العامة.

فالهيئة الحاكمة في عصر محمد علي كان قوامها شخصية محمد علي واسرته ورجالات حكومته وخريجي المدارس والمعاهد والبعثات العلمية، ونظرة بسيطة في تاليف هذه الهيئة تدلك على مبلغ التقدم الذي تدرج اليه نظام المجتمع في ذلك العصر، قياسا الى ما كانت عليه الهيئة الحاكمة في عصر المماليك، فالحكام المماليك كانوا خليطا من اجهل العناصر لم يهذبهم تعليم ولا عرفان، فلا جرم ان بقيت ادارة الحكومة في عهدهم مثلا لاحط نظم الحكم، وقد بينا في الجزء الاول من تاريخ الحركة القومية مبلغ ما وصل اليه انحطاط نظام الحكم في عصرهم وما افضى اليه من التاخر في حالة البلاد الاجتماعية والعلمية، اما الهيئة الحاكمة في عصر محمد علي فقد نالت حظا كبيرا من الرقي وخاصة بعد ما خرجت البعثات والمدارس الحديثة عددا كافيا في مختلف الاعمال، فانشاء الدواوين وتنظيمها، وتاسيس المعاهد والمدارس، ونشر لواء الحضارة والعلوم هو اثر من اثار الهيئة التي تولت الحكم في عصر محمد علي ثم في عصر سعيد واسماعيل.

فالطبقة المتعلمة في المدارس والبعثات – وهي الطبقة الممتازة من طبقات المجتمع – بدات في الظهور على عهد محمد علي، وقد كان لها فضل كبير في ترقية مستوى الهيئة الاجتماعية، ومنهم من لعبوا دورا كبيرا في حياة مصر السياسية او العلمية في عهده وعهد خلفائه، امثال شريف باشا وعلي باشا مبارك ورفاعة رافع الطهطاوي ومظهر باشا وبهجت باشا وغيرهم ممن ترجمنا لهم.

ويكفيك ان تلقي نظرة على كثير من المعاهد والمباني العامة التي انشئت في ذلك العصر وتحصر ثمراتها لتعرف اثر ذلك العنصر الجديد من الهيئة الحاكمة في تقدم مصر وتطور الهيئة الاجتماعية المصرية.

هذه كلمتنا عن الهيئة الحاكة، واذ تكلمنا عن الحكام فلنتكلم عن المحكومين، ولنستعرض الطبقات الاخرى من الشعب وما طرا عليها من التبديل في عصر محمد علي.





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

زوجات ابراهيم باشا بن محمد على

انجازات فى عهد الملك فؤاد الاول

زوجات وابناء الخديوى اسماعيل