الازهر الشريف والعلماء فى عهد محمد على باشا
الازهر والعلماء
فالعلماء هم الطبقة التي كانت لها في عهد المماليك النفوذ العظيم والتاثير الكبير في الامة وقيادة افكارها كما اوضحنا ذلك في الجزء الاول من تاريخ الحركة القومية، وكانت لهم الزعامة الادبية والسياسية بين الجماهير، واليهم يرجع تدبير الحركات الشعبية التي ظهرت على مسرح الحوادث السياسية في عهد الحملة الفرنسية، وبعد انتهائها، وهم الذين اثاروا الشعب على حكم المماليك ثم على الوالي التركي، كما تراه مبسوطا في الجزأين الاول والثاني، ولكن نفوذهم قد تضاءل في عهد محمد علي وانحلت زعامهم بتحادسهم وتخاذلهم وائتمارهم واياه بالسيد عمر مكرم حتى انتهت المؤامرة بنفيه كما سبق الكلام عن ذلك في الفصل الاول، فلم تقم لهم قائمة بعد نفي زعيمهم واقصائه من الميدان، بل صاروا تبعا للحكومة من غير ان يكون لهم اثر في سياستها او في مشاريعها، وهذا تاويل ما ذكرناه في الجزء الثاني من تاريخ الحركة القومية (ص 361 وبالطبقة الاولى) لمناسبة الكلام عن ع عظم نفوذ العلماء في اوائل القرن التاسع عشر اذ قلنا انهم "كانوا موئل الشعب، يفزع اليهم عند وقوع الملمات، وكانت مساوئ خورشد باشا هي الباعثة على ذلك، ففي عهده قوى سلطان العلماء وبلغ نفوذهم اقصى مداه حتى اثاروا الشعب واقتلعوا بقوته الوالي عن كرسي ولايته واجلسوا محمد علي مكانه، ولم يسبق لهم هذا النفوذ من قبل، كما لم يخلص لهم مثله بعد انقضاء هذا العصر".
وفي الواقع انهم لم يخلص لهم نفوذهم القديم بعد نفي السيد عمر مكرم، ولم يبق لهم الا اثارة من الاحترام يسبغها عليهم انتسابهم الى الدين والازهر.
ومما زاد في تضاؤل نفوذ العلماء ان الازهر ظل على نظامه القديم ولم يساير حركة التقدم والاصلاح التي نهض بها محمد علي باشا، فانتقل مركز الثقافة من الازهر الى المدارس والمعاهد والبعثات، وانكمش العلماء ولم يشتركوا في حركة التجديد والانشاء في مختلف نواحيها، فعجزوا عن الاشتراك في حروب مصر او في ادارة حكومتها او في سياستها واعمال العمران التي قامت بها، وبديهي ان انعكافهم على المسائل الدينية، وعجزهم عن الاشتراك في الاعمال العامة التي تمت في عصرهم، كل ذلك كان له اثره في تضاؤل نفوذهم واضعاف كلمتهم، اذ ما من شك في ان الفئة التي تخرجت من المدارس الحربية والبحرية او العلمية والهندسية هي التي اضطلعت باعباء الاعمال العامة سواء في خارج مصر او في داخلها، وهم بحكم توليهم عبء الجهاد وسياسة الحكمة وحملهم لواء النهضة قد امتازوا على طبقة العلماء وحجبوها بما نالوه من السلطان والنفوذ، وتضاءلت منزلة العلماء وظهر الفرق جسيما بين ما ال اليه امرهم من الضعف وخمول الذكر وما كان لهم من نفوذ وسؤدد حين تولوا قيادة الحركات الشعبية في عهد الحملة الفرنسية او بعدها، وحين كانوا في اوائل حكم محمد علي يتقدمون الصفوف في العدوة الى التطوع للجهاد دفاعا عن الذمار كما فعلوا عند مجئ الحملة الانجليزية سنة 1807.
ولهذه المناسبة يحضرنا ما رواه الجبرتي عن رجوع ابراهيم باشا بعد انتصاراته في حروب الوهابية وكيف استقبل العلماء الذين جاءوا لتهنيئته، فقد لاحظ الجبرتي انه لم يقابلهم بالاحترام اللائق، وذكر في هذا الصدد: "ان ابراهيم باشا رجع من هذه الغيبة متعاظما في نفسه جدا، وداخله من الغرور مالا مزيد عليه، حتى ان المشايخ لما ذهبوا للسلام عليه والتهنئة بالقدوم واقبلوا عليه، وهو جالس في ديوانه لم يقم لهم ولم يرد عليهم السلام، فجلسوا وجعلوا يهنئونه بالسلامة فلم يجبهم ولا بالاشارة".
تعليقات
إرسال تعليق